حور العين 3

كتبهاMOHAMMAD ، في 10 يوليو 2006 الساعة: 21:55 م

والآن لنحاول معرفة دلالة لفظ  "عِين" وألفاظ " عَين، عيون، أعين " تعبر عن سيلان وجري إلى مدى معين فالعين والأعين - حاسة البصر - تسيل ولا تتوقف عن السيلان ، وعيون - جمع عين - تجري وتسيل لسقي الناس ،ولنقرأ الآية التالية التي ورد فيها لفظ عِين غير مقترن بحور : (  وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ  ) الصافات 48 - 49، لقد فهم البعض "قاصرات الطرف" على أنها الحورية التي تغض بصرها حياءا ،فالطرف عندهم هو حاسة البصر مع أنه في القرآن الكريم جانب الشيء: ( وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ) من الآية 114 من سورة هود ، ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) من الآية 41 من سورة الرعد ، الطرف إذن هو جانب الشيء ووصف القرآن الشجرة التي تحمل هذه الفاكهة ب"قاصرات الطرف" أي أن أي طرف فيها (غصن أو جذع) قاصر، فالآية تقول أي كانت شجرة الفاكهة فإن أي طرف فيها قاصر والفاكهة في متناول القاطف ونقرأ : ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) الرحمن 46 ـ 60 ، ونفس الملاحظة في الانتقال من المثنى إلى الجمع المؤنث  نلاحظها في هذه الآيات " جنتان .. ذواتا أفنان .. فيهما عينان " والانتقال إلى الجمع " فيهن قاصرات الطرف" ان الآيات تصف ثمار الجنة أنه دان وأن ثمار الأشجار القاصرات الطرف لم يذقهن ولم يفتضهن لا إنسي ولا جني وألوان هذه الثمار هي لون الياقوت والمرجان ، وأما لون بشرة المرأة فلا يوصف بلون المرجان كما يقولون، وكل هذه النعم موجهة " لمن خاف مقام ربه" ذكرا كان أو أنثى.
والآيات التي ورد فيها إقتران اللفظين "حور عين"  هى في " الطور 20، الدخان 44 ، الواقعة22 "، وأول الملاحظات أن الآيات تتوجه إلى المتقين و إلى السابقين و أصحاب اليمين ذكورا وإناثا وهذه الملاحظة تنفي أن تكون حور العين أو قاصرات الطرف أو الغلمان أو الأبكار كائنات خلقت للمتاع الجنسي إلا إذا اعتبرنا أن هذه الكائنات من الجنسين ولذلك نرى أن "حور عِين" مكان خاص فيه مفهوم الرجوع وشيء ذو مظهر أملس يشبه ملاسة العين وأنها  تشبه اللؤلؤ المكنون في المحارة، وهى مكان لتجديد الطاقة التي تسمح  بالخلود في الجنة، يدخل فيها الإنسان دون خوف ( يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ) الدخان 55، ليجدد طاقته التي تسمح له بالخلود ، ويبقى مفهوم "زوجناهم بحور عين" والذي أراه مرتبطا بالبقاء في الجنة ، ان خلق البشر الذي تم من خلية واحدة خُلق منها زوجها أي الخلية الأخرى الأنثوية وبخروجهما ذكورا وإناثا تم التزاوج بينهم لبقاء النوع، أما في الجنة فلا تناسل وبقاءنا مرتبط بتجديد طاقة الخلود في مكان يدعى "حور عين" فتزويجنا هو إعادة تجديد طاقتنا في "حور عين".
 
أما عن القول بأن القرآن يصف افتضاض العذارى فلنقرأ: ( إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) الواقعة 35 – 38 ، ونسأل على من تعود نون "أنشأنهن" ؟ إن لم تعد إلى الوصف الذي في الآيات السابقة على هذه الآيات : ( فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ . وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ . وَمَاء مَّسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ . وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ) الواقعة 28 – 34  ، أما أن يقال أن النون تعود على كائنات جنسية إسمها "حور عين" فأين هي في الآيات التي تصف نعيم أصحاب اليمين؟.
و من هذه الأفكار جعل بعض المفسرين "أبكارا" هي جمع البكر أي العذارى ولو كانت "الحورية" هي متاع جنسي أنشئت إنشاءا لسكان الجنة فما سبب إضافة "فجعلناهن أبكارا"؟، هل يمكن أن نشك في كونها ثيبا حتى توضحه الآية؟ ، ان البكر في القرآن الكريم من البكور أي الشيء في بدايته فهو ليس باليا ولا يابسا،  كما جعلوا "عربا" المتحببات إلى أزواجهن مع أن أقرب مشتقات "عربا" هي "عربي" والمقصود بها كمال الخلق والصنعة كما هو حال القرآن في وصفه بالعربي لكمال لسانه ، وأيضا جعلوا "أترابا" نساء من نفس السن مع أن أقرب المشتقات في القرآن الكريم لأتراب هي "التراب" ، ومن وجهة نظري أن العديد من المفسرين لا يتحاكمون للقرآن في بنيته لمعرفة دلالة ألفاظه بل يتحاكمون للشعر وآراء محصورة في التاريخ لا يمكن أن تتعداه.
وأخيرا أرى أن القرآن الكريم هو رسالة الله تعالى للإنسانية المرتقية نحو معرفته جل جلاله، وأن القرآن الكريم ليس كتابا يشتري إيمان الناس بوعدهم بوعود جنسية في الآخرة ، ولكن ليطهرهم ويرقيهم إلى مرتبة تسمح لهم بالاستعداد للآخرة ولدخول مرحلة جديدة لا يدخلها إلا من اتقى وفاز في هذا الاختبار الدنيوي ، ولذلك أرى أن الجنة ليست مكانا للأفعال الجنسية بل مكانا أرقى للخلود نجدد فيها طاقتنا اليومية بالأكل والشراب ونستقي طاقة الخلود في "حور عين" ، وأن نعيم الجنة ليس فقط شرابا وأكلا دون عناء وتعب ، ولكن ليفسح لنا المجال للإرتقاء الحقيقي في الوجود مع الله تعالى.

وأختم بقوله تعالى : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) هود 88، والله أعلم .

محمد زهدي

صحفي وباحث في الدراسات الإسلامية

10-7-2006

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات قرآنية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر